حينما نقف صفًا صفًا
حينما نقف صفًا صفًا

لرُبما كان دائمًا وأبدًا التفسير المنطقي الوحيد لضيق الحال والنفس أنك دونما شك قد ابتعدت عن الرحيم بِضعَ فراسخ أو أمتار، هذا ما نصت عليه الآية الكريمة (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ).

والحق أنه منطق لا جدال عليه، لكن أرقتني مؤخرًا تلك الفكرة المُلتوية بأنه ماذا وإن كان التزامك بالذي أُلزمت به دينًا وشرعًا سببًا في ضيق نفسك فعلى سبيل التمحيص تلك التي تؤمن بقوله تعالى (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ ) وقول النبي الكريم (لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ وَالنَّامِصَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ).

فهي تقدر بكل سلاسةٍ أن تُظهر بهائها وتُصبح بلا منافسٍ فلكل مِنا جمال خاص به لعلها تلك البسمة أو هاتين العينين الضاحكتين، وهكذا بالتتابع، لكنها أعملت عقلها طواعيةً بأن تُطيع خالقها، ولا تتبع هوى النفس في الظهور وإبداء البهاء، وفي سبيل هذا قد تفقد الإعجاب الظاهري للآخر ذلك الانجذاب البحت للشاكلة الخارجية، وحسب دونما باطن الشخص هذا ما يدفعها إلى ضيق لا محدود أن تشعر أنك لا تحوز ما يجذب الآخر، أو أنك قد يمر المار بجوارك دونما أن يلحظك فتصير بهذا غير مرئية وسط الزحام فياله من ضيق!

ومن ثم ذلك الشاب البهي صاحب الخلق الطيب الذي يحوز تلك الدُعابة التي لا حد لها تلك التي تدفعك للقفز من مقعدك من شدة الضحك أو ذلك الذي قارب في جماله الخاص جمال يوسف الصديق يقدر الواحد منهما أن يستغل تلك العطايا في جذب الآخر ويخلق أحاديث مُتصلة لا يدنو منها الملل حتى بأصبعٍ واحد، لكنه لا يزال يذكر قوله تعالى (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ).

ومن ثم يتصل الضيق حد أن يشمل التعاملات الحياتية اليومية فقد تشغل نفسك طوال اليوم بالكلم النابع من فمك الذي قد يُلقيك في النار دونما هوادة فتسير بين الناس نَبِهَةًُا حريصًا تحسب للكلمة ألف حساب مُتذكرًا أن الكلمة الطيبة صدقة وأن النبي الكريم قد حَكَى : (إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره).

لعلك تقع في الضيق ليس لطاعتك لله ونبيه، لكنك تبذل ذلك المجهود المضني وتجد أنك وحدك في هذا – إلا من رحم ربي – وأنك تُجاهد في هذا وحدك أَثْنَاءَ ًا، فأنت على الرغم من حرصك الشديد، إلا أنك لا تجد مُقابلا مُرضيًا من الآخرين

ومن ثمّ وجدتُ ذلك النوع من الضيق يستميت للظهور مؤخرًا أن تعبد الله كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ يجب فتجد أنك أصبحت سخريةً ما أو أنك لم تعد تجدهم يحسبون للأمر من حساب كأنهم وضعوا الجنة بين أصابعهم ولا حاجة لهم بعملٍ صالح يغفر لهم ربما رأيت هذا في المواعيد المُتداخلة للعمل والدراسة التي لا يتركون فيها مُتسعًا ولو ضئيلًا لركعتين في منتصف اليوم تُلقي عن كاهلك ألمك المتدفق فتشعر بسؤال يدق باب عقلك هل أصحبت العبادات لا تتماشى مع المحيط؟

لربما أذكر جيدًا تلك الصديقة التي صرعت رأسي بردٍ (يا ستي يالا) هذا لأني حملت تلك الزجاجة عن الطريق، هكذا حَكَى المصطفى: إن إماطة الأذى عن الطريق صدقة. هكذا تربيت.

ربما حينها لم أجد ردا مناسبا اكتفيت بملاحظة أن تلك الثوابت تنحسر حتى قارب الواحد منا أن ينسى ذلك القليل الذي يعرفه ذلك القليل الذي يحسب أنه لا يكفيه ليَلِجَ الجنة بسلام.

تلك الفكرة المُلتوية تهمس لي بقوله تعالى (لقد خلقنا الإنسان في كبدٍ).

لعله هذا الضيق الذي وجدته بين طيات الحياة أن تكون عباداتك للرحيم تحمل ثِقلا في النفس ليس لملك منها أو لتمردك على الرحيم وإنما المحيط الذي يجذبك نحو الهاوية يوما تلو الآخر لرُبما أصبح أو قد كان منذ البداية مجابهتك لنفسك مجاهدتك لها في هذا الوسط المُلطخ يُلقي بك في حافة الهاوية – هاوية الضيق – وأصبح أرق روحك التائهة أنك تحاول حد النهاية أن تعبد الله حق عبادته.

لذا لم أعد أرى أنه من الصواب أن نجمع بين أدائك لفروضك وعبادتك لله بكل شاكلة ممكنة وبين ضيق النفس والحال فأحسب الحق أنك تقاوم هواك صباح مساء وترهق نفسك الصاغرة بضوابط جمة تدفعك في هذا الزمان وهذا المحيط إلى الجنون لا محالة.

لعل عزاءك الوحيد أن لهذا كله نهاية حتمية تلك الساعة التي هي حق ولا يعلمها إلا الله حينما نقف صفا صفا ويؤذن مؤذنٌ أن ادخلوا الجنة بسلام آمنين هذا ما يجعلك تُفارَقَ فراشك في كل صباح وتبدأ جِهادك حتى نهاية يومك المُبعثر بين حاجات الحياة الدنيا يقينًا منك بأنك تسعى لجنات عدن.

المصدر : ساسة بوست