«مانيفستو» من أجل التقدم الاجتماعى
«مانيفستو» من أجل التقدم الاجتماعى

اشترك لتصلك أهم الأخبار

الأخبار التى تبعث على الإحباط كثيرة هذه الأيام، وعندما يكون هناك بصيص من أمل فمن الواجب الاحتفاء به. من مصادر الإحباط فى منطقتنا ما يدور حولنا من حروب، وتشرذم، وتخلف عن ركب التقدم والمعاصرة، وعالميا من اتساع الفجوة بين من يعملون ومن يحصدون، ومن الكيل بمكيالين فى تسوية النزاعات، ومن تدهور بيئى يهدد مستقبل الأجيال الْمُقْبِلَةُ.

على الجانب الإيجابى، هناك من مواطنى العالم من يقلقون على ما وصل إليه حالنا، ويعملون الفكر لتجنب السقوط فى الهاوية. من بين هؤلاء مجموعة سوف أطلق عليها مجموعة الـ 300، وهى جماعة من المفكرين يجمعها إيمان عميق بقضية التقدم الاجتماعى، ويرأسها «أمارتيا سن»، الحاصل على جائزة نوبل فى الاقتصاد سَنَة 1998.

ما هى قصة مجموعة الـ 300؟ وماذا يقدمون من جديد؟ وماذا يعنى ذلك بالنسبة لنا؟

بدأت معرفتى بمجموعة الـ 300 عندما جاءتنى دعوة كريمة من اثنين من أعضائها، مارك فلوربيه (جامعة برينستون الأمريكية) ورافى كنبور (جامعة كورنيل الأمريكية) للانضمام إليها، وترشيح بعض الأسماء من منطقة الشرق الأوسط. لم أتردد فى تلبية الدعوة لسببين: السبب الأول معرفتى الشخصية بعمق وجدية ومصداقية الداعين. السبب الثانى هو تعاطفى الشديد مع قضية التقدم الاجتماعى، فى عالم ماتت فيه الأيديولوجيات، ويبدو فيه الأمر كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ لو أن الدول ليس أمامها من خيارات سوى النموذج الليبرالى الرأسمالى، بنجاحاته الكبيرة وفشله الذريع.

عملت المجموعة، بممثليها من مختلف القارات، فى فرق بحثية متخصصة لمدة أربع سنوات، وكانت الحصيلة ثلاثة مجلدات، تم تلخيصها بتصرف فى كتاب يحمل عنوان هذا المقال. فى تعليقى على الكتاب (قيد النشر) بناء على طلب الناشر، كتبت: «كتاب» مانيفستو من أجل التقدم الاجتماعى ليس إلا صرخة عالية لإعلاء الكرامة الإنسانية، بغض النظر عن الجنس، أو العرق، أو الدين، أو التعليم، أو الموهبة، أو القدرة على الإنتاج. الكرامة الإنسانية هنا تقوم على تساوى الفرص بين المواطنين سياسيا، واقتصاديا، وجيليا. ولمن يريد أن يعرف المزيد عن نشاط هذه المجموعة، هذا هو رابط موقعها على الإنترنت: (www.ipsp.org).

ماذا يقدم الكتاب إذن؟ يبدأ المؤلفون الستة بالاعتراف بالتقدم الذى حققته الإنسانية فى القرن الماضى، من تناقص فى عدد الفقراء، وارتفاع متوسط عمر الإنسان، واتساع مساحة الديمقراطية، لكنهم سرعان ما يرصدون بعض مظاهر التقهقر فى قضايا مهمة، منها الإحساس بعدم الأمان تجاه المستقبل وغياب العدالة. كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ أنهم يقدمون نقدا لاذعا لبعض المقولات التى تحصر خيارات الدول، خاصة النامية منها، فى نموذج غربى أوحد، أهمها ما يلى:

■ مقولة «فوكوياما» بأن العالم وصل إلى نهايته بانتصار النموذج الليبرالى الرأسمالى على النظام الشمولى الاشتراكى فى الكتلة الشرقية. جوهر الاعتراض هو أن النظام الليبرالى نفسه ليس نظاما واحدا. فى شكله المحافظ، كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ فى أمريكا، يؤدى هذا النظام إلى تفاقم المشكلات الاجتماعية، ويحابى الأنْتِعاش على حساب العدالة تدهور البيئة. فى المقابل، فى شكله المطبق فى الدول الاسكندنافية وكندا، يحقق النظام المواءمة بين الرفاهة، والحرية، والعدالة الاجتماعية، بدرجة كبيرة.

■ مقولة أن الإنسانية أحرزت تقدما مرضيا على مستوى الكثير من القضايا الاجتماعية، مثل تحرير المرأة، والعمال، وذوى الاحتياجات الخاصة، حيث إن هذه القضايا مازالت ملء العين والبصر. فضلا عن ذلك، ظهر على السطح مشكلات جديدة، مثل إشكالية صراع الحضارات، واستيعاب المهاجرين، والتحرش الجنسى، بدليل حركة «أنا أيضا».

■ وأخيرا، ينتقد المؤلفون الاعتقاد بأن التقدم الاجتماعى يمكن أن يحدث عن طريق الحكومات فقط، ويؤكدون أن عبء تغيير القيم، والعادات، والتقاليد يقع على عاتق مؤسسات المجتمع بأسره، بما فى ذلك المجتمع المدنى، ومجتمع الأعمال، والأسرة.

الكتاب غنى بتحليل هذه الأفكار وغيرها، لكن الأسئلة التى تعنينا فى مصر هى: هل يجب أن تشغلنا قضية التقدم الاجتماعى الآن؟ وما هو النموذج الذى يجب أن نحتذيه حتى يشعر المواطن بأن هناك أملا فى غد أفضل؟ وأخيرا، ماذا نحن فاعلون؟ هذه أسئلة صعبة وغير محسومة. وإذا كانت هناك مجموعة قلقة على مستقبل التقدم الاجتماعى عالميا، ألا نحتاج مجموعة مماثلة للقلق على مستقبل مصرنا؟ أعتقد ذلك. أن نحافظ على كيان الدولة شىء، أما بناء دولة عصرية تحقق تقدما اجتماعيا فذلك شىء آخر.

المصدر : المصرى اليوم